السعيد شنوقة
322
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
إيمانها من قبل ظهور الآيات أو مقدمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيرا ؛ فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرا » « 1 » . فهو يسوّي إذن بين الكافر والعاصي في الخلود ، وفي عدم الانتفاع بما يستدركانه وقت ظهور الآيات . ويبدو أن هذا غير مخالف لأهل السنة لأنهم يعتقدون بدورهم أن اكتساب الخير لا يفيد بعد ظهور أمارات الساعة لكنهم يرون أن الإيمان السابق المتقدم ينفع ويفيد في السلامة من الخلود في النار « 2 » . ثانيا : التأويل بالحمل على المجاز والتشبيه وتأويل التجسيم اعتمد المعتزلة على ثلاث وسائل لتأكيد آرائهم المبنية على العقل : الأولى : فرّقوا فيها بين المحكم والمتشابه ؛ فعدّوا ما يعزز وجهة نظرهم من نصوص القرآن الكريم محكما دالا بظاهره ، واعتبروا في الآن نفسه ما يدعم وجهة نظر خصومهم متشابها يعوزه التأويل . الثانية : هدفوا بها إلى إزالة التناقض الذي يمكن أن يكون موجودا في آرائهم المعتمدة على العقل وبين ظاهر بعض آي الذكر الحكيم التي يستشهد بها خصومهم والتي يعدّونها هم متشابها . أما الثالثة : فقد أنكروا فيها قدرة معارضيهم على معرفة السمعيات وفهمها ؛ وذلك لأن صحة السمع قائمة على العدل والتوحيد والتي هي قضايا عقلية « 3 » . لقد تناولوا أدلة الخصوم وكل ما يوهم بالتجسيم والمشابهة ولا يناسب مقام الألوهية . فاجتهدوا في فهم حقيقة معانيها الكامنة في ألفاظها بمنظور يستند إلى
--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 64 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ، ج 8 ، ص 95 - 96 - 97 وما بعدها . وانظر تفسير القرطبي ، ج 13 ، ص 235 ، وابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 63 وتفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 195 - 196 . ( 3 ) رأى المعتزلة أن الاستدلال بالقرآن الكريم لا يصح إلا بعد معرفة المتكلم بكل صفاته عز وجل من التوحيد والعدل ، وبأنه تعالى حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا يكذب في أخباره ، وهذه كلها مسائل عقلية وليست من الاستدلال السمعي ، لذا فالقرآن الكريم نفسه عندهم لا بدّ أن يخضع في الاستدلال به للنظر العقلي وهم حين ركزوا على العقل لم يكونوا ليتصوروا بأنه يدل على خلاف ما يدل عليه القرآن . إذن قدموا المعرفة العقلية بتوحيد الله وعدله وسائر صفاته ، وبأن دلالة القرآن الكريم لا تعرف إلا بتقدم تلك المعرفة العقلية ، وبهذا أصبحت الحاجة للقرآن وللسمع عندهم في عمومه تابعة للعقل . انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 181 - 182 .